الشيخ المنتظري
104
دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية
قلت : لا نسلّم الفرق بين المقامين ; فلو فرض أنّ المولى فوّض أمر ابنه إِلى عبده ، فمرض الابن وذهب به العبد إِلى طبيب ، فصادف أنّ العبد تردّد في صحّة طبابته لجهة من الجهات ، وكان يتمكّن من الاحتياط أو الرجوع إِلى طبيب آخر أو شورى طبيّة ، فترك ذلك وعمل بقول الطبيب الأوّل واتّفق أنّ الابن مات لذلك ، فإذا اطّلع المولى على تفصيل الواقعة فهل ليس له أن يعاتب العبد ؟ وهل يسمع اعتذار العبد بأنّه عمل بتكليفه من الرجوع إِلى الطبيب ؟ والحاصل أنّ الرجوع إِلى فقهاء أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وكذا أصحاب الأئمة - عليهم السلام - أمثال زرارة ، ومحمّد بن مسلم ، وبريد العجلي ، وليث بن البختري المرادي ، ويونس وغيرهم من بطانة الأئمّة ( عليهم السلام ) كان أمراً متعارفاً ، كما تعارف إِرجاع الأئمة ( عليهم السلام ) أيضاً إِليهم ، ولكن لم يكن الاجتهاد في تلك الأعصار بحسب الغالب مبتنياً على المباني الصعبة الدقيقة ، بل كان خفيف المؤنة جدّاً ، فكان يحصل الوثوق غالباً للمستفتي وكان يعمل بوثوقه واطمينانه الحاصل من فتوى الفقيه . فكذلك في أعصارنا لو حصل الوثوق بصحّة فتوى المفتي وكونه مطابقاً للواقع ، كما لعلّه الغالب أيضاً للأغلب ، صحّ الأخذ به . وفي الحقيقة العمل إِنّما يكون بالوثوق الذي هو علم عادىّ تسكن به النفس ، لا بالتقليد والتعبّد . وأمّا إِذا لم يحصل الوثوق في مورد خاصّ لجهة من الجهات ، فالعمل به تعبّداً مشكل . نعم ، لو ثبت جعل الشارع قول الفقيه حجّة تأسيسيّة تعبّدية ، نظير جعل البينة حجّة في الدعاوى ، صحّ العمل به وإِن لم يحصل الوثوق ، بل وإِن حصل ظنّ ما بالخلاف ، ولكن إِثبات ذلك مشكل . إِذ ما استدلّ به من الآيات والروايات لإثبات ذلك إِمّا أن تكون مرتبطة بباب التعليم والتعلّم ، أو تكون إِرشاداً إِلى